Wednesday, July 22, 2009

دمنهور..مدينة الآلام والأحلام والمشاكل!





























































































دمنهور..مدينة الآلام والأحلام والمشاكل!
رداءة الخبز وانتشارالقمامة والبلطجة وارتفاع الأسعار و الإيجار الجديد و فواتير المياه والكهرباء والتليفون وتعريفة التاكسى والشوارع غير المرصوفة.. مشاكل مزمنة!

تحقيق:
إيهاب الحمامصى


دمنهور.. الدم ..نهور.. مدينة لها من اسمها نصيب..بل نصيب وافر.. لم تعرف يوما طعم الراحة من المشاكل.. يشعر فيها الماشى والراكب أنه بصدد انسحاب مفاجئ – مثل انسحاب نكسة 1967- قبل حدوث هجوم ما مباغت.. بعض شوارعها ومناطقها وصلت للعالمية مثل شوارع روما وصقلية ونيويورك.. قد يفاجئك فيها مجموعة من الشباب – المافيا المحلية - يستوقفونك ثم يطلبون المحفظة والموبايل والساعة بشكل ودى وإلا فإن "قرن الغزال" والفرد الخرطوش سيبدآن بالعمل.. او يقومون بنزع – لا خطف- سلسلة زوجتك الذهبية.. وان كانوا أقل جرأة فهم يقومون بالوقوف عند محطات الباص الداخلية او محطة القطار لنشل ما خف وزنه وغلا ثمنه!.. مثل ذلك الشاب الرث الهيئة الذى صورناه بفيديو الموبايل وهو يحاول نشل ركاب الباص الداخلى بأهم ميادين دمنهور – ميدان الساعة - فلما شعر بنا أخذ يناور كالثعلب الخائب ثم ابتعد قليلاً وأخرج موبايل لابلاغ باقى التنظيم انه قد تم كشفه وتصويره! فابتعدنا فوراً قبل ان تحاصر عصابته المنطقة! ولعل السرقة والنشل أخف وطاة من الاغتصاب والقتل فى وضح النهار..!
قمنا باستطلاع عينة من شعب دمنهور حول أرائهم فى هذه المشاكل وباقى المشاكل التى تعانيها مدينتهم " العريقة " التى طالما شهد لها التاريخ بمواقفها فى محاربة طغيان المحتل:


رمضان الغرباوى- مصطفى الحلوانى- زين عبدالفتاح- صلاح محفوظ

عبده عبدالهادى- – كمال الدين فتح الله –علاء سلام- محمود عبدربه

سعد جميعى – جمال الطباخ – محمد صالح- ماجد بعيص

الشوارع غير المرصوفة والنظافة.. كلاكيت مليون مرة!
فى البداية يقول رمضان الغرباوى – مراجع بالضرائب العامة – ان دمنهور تعانى من عدة مشكلات مزمنة منها على سبيل المثال مشكلة الطرق غير المرصوفة مثل بعض شوارع شبرا وشارع حسين حجازى الذى يصل شطرى المدينة مروراً من تحت نفق السكة الحديد وشارع المقريزى وهذه الطرق على حالها من زمن طويل تعانى الاهمال واللامبالاة وانتشار القمامة حتى فى المنطقة الواقعة خلف المحافظة والمفترض انها تتميز عن باقى مناطق المدينة كونها قريبة من مقر صناع القرار ويضيف مصطفى الحلوانى قائلاً : كيف لا يجد المسئولون حرجاً فى عدم وجود حاويات قمامة ؟ الأمر الذى دفع الأهالى الى القاء قمامتهم بالشوارع بشكل يسئ للذوق الانسانى السليم وقد يختفى عمال النظافة لاسباب عديدة خاصة فى مثل هذه الايام من السنة حيث يتغيبون عن عملهم الرسمى ويفضلون الذهاب الى الحقول لجنى المحاصيل الزراعية حيث الأجر الأعلى او يكون اختفائهم لسبب أخر مثلاً عند زيارة مسئول رفيع للمدينة فيتم سحب جميع عمال النظافة من مناطق المدينة المختلفة و اهمال كافة المناطق البعيدة عن خطوط سير ذلك المسئول!



نظافة فلة-قرينة رئيس الجمهورية مرت من هنا!


شوارع تشابه اوروبا- اوبرا دمنهور!

والشئ الوحيد الذى لم تهمله المحافظة ومجالس مدنها هو تحصيل مبلغ 4أربعة جنيهات من كل وحدة سكنية كرسوم نظافة! وشر البلية فعلا ما يضحك!



القمامة بشارع مسجد الرحمن خلف المحافظة-


القمامة امام إدارة دمنهور التعليمية بالمقريزى


القمامة بجوار فيلا الحوفى –مقر الاتحاد الاقليمى للجمعيات الاهلية!

اختفاء الرقابة على الاسواق
صلاح محفوظ وزين عبدالفتاح يقولان: ان هناك مشكلة تؤرق كل بيت مصرى بصفة عامة والبيت الدمنهورى بصفة خاصة الا وهى مشكلة ارتفاع الاسعار لمعظم السلع والمواد الغذائية وغير الغذائية وأن الحكومة نفضت يدها من فترة طويلة من الرقابة على السوق تاركة الباب على مصراعيه لمن أراد اللعب بأقوات الناس وارزاقهم ورغم الكساد الذى يسود العالم وادى لانخفاض الاسعار بشكل لم يسبق له مثيل نرى الاسعار فى مصر تتجاوز حدود المعقول بشكل مذهل نتيجة للعشوائية المصرية ناهيك عن غياب الرقابة الصحية والتموينية ويضيف علاء سلام وكمال الدين فتح الله أن غياب الرقابة الصحية والتموينية واضح بشكل كبير خاصة مع نقص وزن رغيف الخبز ورداءته بشكل ظاهر حتى اصبح عصياً على المضغ والبلع- هذا اذا وصل لمستحقيه- ويطالبون بوضع حد لسوء التعامل مع " نعمة ربنا" حيث يقوم اصحاب الافران برص العيش بعد خروجه من الفرن على الارض أثناء عمل الفرن فى الساعة الثانية عشر ليلا يومياً على مراى ومسمع من كافة المسئولين حيث يكون نهبا للقطط والكلاب الضالة وتراب الشوارع والقمامة وعوادم السيارات بما فيها من رصاص البنزين السام أضف الى ذلك قذارة العمال انفسهم وعدم التأكد من نظافتهم!


مصيبة الإيجار الجديد!

عبده عبدالهادى-مامور ضرائب.. يقول: ان من اكبر وأخطر المشاكل التى تواجه مصر عامة والبحيرة خاصة هى مشكلة ارتفاع الإيجار الجديد وما تمثله من خطر على الأمن القومى المصرى بالاضافة لمشكلة البطالة فارتفاع ايجار الشقق فى ظل قانون العلاقة بين المالك والمستأجر الجديد يمثل عائق وتحدى آخر امام الشباب ولم تجد الأزمة المالية العالمية نفعاً فى الحد من هذه الظاهرة المخيفة رغم وجود الآلاف من الشقق المغلقة فى كل مدينة ولعل مصر هى الدولة الوحيدة التى يفخر ملاك العقارات فيها بقدرتهم على بناء طوابق جديدة باعتبارذلك دليلاً على الثراء وأيضاً باعتباره استثماراً مستقبلياً –رغم ان هذه الطوابق والشقق قد تظل غير مسكونة لعشرات السنين- وتتميز دمنهور عن غيرها – وحتى الأسكندرية – بارتفاع جنونى فى أسعار العقارات سواء الأراضى او المبانى "بيع او ايجار" ويطالب بتشريع جديد للاستفادة من هذه الشقق المغلقة ووضع سقف أقصى للايجار حسب تشطيب الشقة وموقعها ومساحتها وان يمتد التنظيم العمرانى للأراضى الخلاء وادخال البنية التحتية بدلا من تلك العشوائية الرهيبة التى ادت الى ارتفاع أسعار الأراضى الزراعية فى سبيل تحويلها الى أراضى بناء وبالتالى ارتفاع أسعار المواد الخام اللازمة للبناء مثل الأسمنت والحديد ناهيك عن القضاء على ثروة مصر القومية التاريخية من أجود الأراضى الزراعية فى العالم.!


تاكسى دمنهور .. يا تاكسى العذاب!


الشنطة مفتوحة وكله عال!


فوضى السيارات تبقى الغالبة-ميدان الساعة!

محمود عبدربه وسعد جميعى – الضرائب العامة يقولان : أن من المشاكل الى تختص بها دمنهور عن غيرها من المدن عدم توفر وسائل مواصلات لكل أرجاء المدينة حيث يرفض سائقى التاكسى الذهاب لأطراف المدينة مفضلين العمل داخل نطاق وسط البلد فقط لتحقيق مكاسب سريعة بالاضافة لقيامهم بفرض تعريفة ركوب جديدة وتحميلهم اكثر من راكبين لكل مشوار وفرض التعريفة الجديدة على كل راكب على حدة والعمل بالمزاج بمعنى ان السائق يقوم بعمل دراسة جدوى سريعة لكل راكب وما اذا كان سيتفضل بالموافقة على ركوب الراكب من عدمه بغض النظر عن ظروف هذا الراكب.. حتى بات ركوب تاكسى دمنهور امنية عزيزة! ويتساءل عن دور المرور فى هذه المشاكل .. وهل يتعين على كل متضرر الذهاب الى إدارة المرور بالطريق السريع لتقديم شكواه وكيف يذهب والسائقون يرفضون أصلا الذهاب لأطراف المدينة كما سبق القول؟! ولماذا لا تكون الشكوى لجندى المرور فوراً ومباشرة ويتم اتخاذ إجراءات سريعة مثلما يحدث فى بعض المدن كشرم الشيخ مثلاً؟!!

الخصخصة ونهب الغلابة

اما جمال الطباخ ومحمد صالح فلهما وجهة نظر أخرى: ارتفاع فواتير الشركات التى تم خصخصتها مثل الكهرباء والمياه والاتصالات.. وهذا الارتفاع الجنونى لفواتير هذه الشركات لم يحدث تحديدا الا بعد الخصخصة وهو فى تزايد منذ ذلك الحين دون الرجوع لأحد باعتبارهم محتكرين لهذه الخدمات فى ظل عدم وجود منافس سواء للتليفون الثابت او الكهرباء او مياه الشرب والصرف الصحى وتعتبر العقود الموقعة بينهم وبين المواطنين " عقود إذعان" لا يملك المواطن طالب الخدمة لها تبديلاً او تعديلا ً أو تحويلا.. وبدراسة متأنية مثلا لكيفية نهب المواطنين من قبل شركتى الكهرباء والمياه تبين أن هاتين الشركتين تتبعان سياسة تكاد تكون متشابهة الى حد التطابق فهم قاموا بالاتفاق مع المصانع الحربية لتصنيع وتركيب عدادات خاصة واستبدالها بالعدادات القديمة بمقابل او بدون مقابل ومن خصائص العداد الجديد انه ينقل نفسه لشريحة اعلى اوتوماتيكياً اذا ما قامت ربة المنزل مثلا بتشغيل الغسالة والمكنسة الكهربائية فى وقت واحد.. أى ان العداد يقترب من خصائص العداد التجارى!.. او تتساهل هذه الشركات مع قراء العدادات الذين يتكاسلون فى المرور على المنازل لتسجيل القراءة الصحيحة الواقعية لأن فى هذا التكاسل مصلحة كبرى لهذه الشركات إذ أنه يؤدى الى تراكم القراءات بالعدادات وبالتالى محاسبة الناس باعتبارهم مستهلكين لشرائح أعلى بثمن اعلى! ناهيك عن انقطاع الكهرباء والمياه لفترات متفاوتة وايضا فى كل المناطق بلا اسثناء حتى منطقة خلف المحافظة ذاتها بالاضافة لعدم وصول المياه للطوابق العليا..

صفر المونديال واستاد دمنهور الجديد

ماجد بعيص يقول أن اهدار المال العام يتجلى بوضوح للعيان فى استاد دمنهور الأوليمبى الجديد على طريق القاهرة – الأسكندرية الزراعى بجوار الكوبرى الدولى حيث مئات الأطنان من الأسمنت وحديد التسليح التى ذهبت هباء منثوراً بلا أدنى شعور بالمسئولية تجاه مقدرات وثروات هذا البلد وتضييعاً لأموال دافعى الضرائب فبعد حصولنا على صفر المونديال تم اهمال استكمال انشاءات الاستاد ليضاف ذلك الى كم الاهمال الذى يلف حياة المواطن البحراوى..!













عشرات السيارت التى اكلها الصدأ من الركنة فى ساحة مجمع مبارك بدمنهور
عشرات السيارات والموتوسيكلات والبلدوزرات وكل وسائل النقل من مختلف الانواع والمكتوب عليها- محافظة البحيرة- "مركونة " فى ذلة وانكسار حتى ينتهى عمرها الافتراضى على ما يبدو فى ساحة مجمع مبارك الثقافى بدمنهور تحت حر الصيف القائظ والرطوبة الليلية حتى بدأ الصدأ يفعل بها الأفاعيل وثقبت إطاراتها , هذه الثروة القومية تصرخ بصوت صامت: حرام.. كفاية اهدار.. أليس من الأولى توزيع هذه السيارات والموتوسيكلات على الشباب العاطل لتشغيلها والاسترزاق منها فى مقابل ايجار شهرى او يومى حتى ؟ أم أن الإهمال والإهدار والنسيان احق بثرواتنا من بنى الانسان ؟

إيهاب الحمامصى
asdmsr73@yahoo.com
ehabelhamamsy@hotmail.com

الذكرى السنوية الأولى لابن بلدى - دمنهور- المفكر الكبيرأ.د/عبد الوهاب المسيرى
























تصوير:
إيهاب الحمامصى
النص عن موقع اسلام أون لاين
المسيري يتحدث عن حياته :
قبل أيام قليلة من وفاة المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، أرسل إلى موقع "إسلام أون لاين.نت" نسخة ديجيتال من كتابه "حوارات مع المسيري" الذي أعدته وحررته الإعلامية "سوزان حرفي"، والكتاب يحمل قدرا من العمق والحيوية والصراحة، وفي هذا الجزء من الحوار نعرض بعضا من سيرته على لسانه نقتبسها من كتابه النفيس والأخير. التكوين * نود في البداية أن تعطونا نبذة عن حياتكم الشخصية والعلمية. - اسمي الكامل عبد الوهاب محمد أحمد المسيري، من مواليد مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة في 8 من أكتوبر عام 1938، حصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعتي كولومبيا ورتجز الأمريكيتين في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن عام 1969. وقد قمت بتدريس الأدب الإنجليزي والأمريكي والنظرية النقدية في كلية البنات، جامعة عين شمس، وفي جامعة الملك سعود وجامعة الكويت والجامعة الإسلامية في ماليزيا منذ عام 1969 حتى عام 1990. وفي هذه الأثناء عملت خبيرا في الصهيونية بمركز الدراسات السياسية بـ"الأهرام" في الفترة من عام 70 حتى عام 1975، ومستشارا ثقافيا لوفد الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة من عام 75 حتى 1979، ومستشارا أكاديميا في المعهد العالي للفكر الإسلامي منذ عام 1992 حتى الآن. صدر لي العديد من المؤلفات منها: أسرار العقل الصهيوني، والإيديولوجية الصهيونية، واليهودية والصهيونية وإسرائيل، والانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية، والجمعيات السرية في العالم، ونهاية التاريخ.. مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني، والصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، كما قمت بتأليف وتحرير موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية التي أصدرها مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عام 1975، وتعد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الصادرة في 8 أجزاء تتويجا لأعمالي. ولكني لم أتوقف عند هذه النقطة فقد أصدرت كتبا ذات طابع فكري مثل الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (من جزأين)، وإشكالية التحيز، ودراسات معرفية في الحداثة الغربية. ولي بعض الدراسات الأدبية وقصص الأطفال، وديوانا شعر واحد للأطفال والآخر للكبار، كما صدر لي كتابان في النقد الأدبي دراسات في الشعر، وفي الأدب والفكر. الريف والنشأة * إلى أي مدى كان لنشأتك في بيئة ريفية تأثير على حياتك الأكاديمية؟ - هذه النشأة جعلتني باحثا مثابرا. لا تنس أن أبناء البرجوازية الريفية -وأنا منهم- ينشئون في خشونة، خلافا لأبناء البرجوازية الحضرية. كان والدي يردد أن لا علاقة لنا بثروته، زادت أم نقصت، وأن علينا أن نعيش في مستوى أولاد الموظفين. وأذكر جيدا أنه حينما امتلك سيارة خاصة، في منتصف الخمسينيات، منعنا من ركوبها وكان يقول لنا: اركبوا الترام مثلكم مثل بقية الشباب. كنت أشكو من هذا آنذاك، لكنني تعلمت، فيما بعد، عندما ازددت حكمة، أنه نفعنا كثيرا بذلك، وعندما ذهبت إلى الولايات المتحدة، ولم يكن عندي أي مصدر دخل إضافي لتغطية نفقاتي، ولم يكن من الممكن تحويل أي أموال من مصر، اضطررت للعمل خفيرا في مصنع في الولايات المتحدة، وما كان بوسعي أن أتحمل ذلك دون طريقة والدي في التنشئة. * في رحلتك الفكرية أشرت إلى أن علاقتك بالمجتمع في دمنهور تشبه علاقة علماء الاجتماع الألمان بمجتمعهم.. كيف ذلك؟ - ألمانيا كانت في بداية القرن التاسع عشر من أقل الدول الغربية تحديثا، مستوى الصناعة بها كان ضعيفا، ولم يكن لديها مشروع استعماري مثل الدول الغربية الأخرى، لكن مع وصول بسمارك إلى الحكم وتوحيد ألمانيا حققت قفزات سريعة ومذهلة، بحيث أصبح مثلا إنتاج الحديد والصلب في ألمانيا ضعف إنتاج إنجلترا نفسها، وتبع ذلك التطور تطور سريع في جميع الصناعات الألمانية. لكن ظلت هناك جيوب وعادات تقليدية عديدة، فعلماء الاجتماع والمفكرون الألمان مثل ماكس فيبر وغيره، كانوا ينظرون للمجتمع، فيرون المجتمع بشقيه التقليدي والمجتمع الحديث. المعرفة الإنسانية في نهاية الأمر معرفة مقارنة، فنحن لا نعرف الشيء في حد ذاته وإنما نعرفه من خلال مقارنته بشيء آخر؛ وبالفعل قام هؤلاء العلماء والمفكرون بمقارنة المجتمع الحديث الذي كان يتشكل أمام عيونهم بالمجتمع التقليدي الذي كان يتآكل من حولهم، فرأوا الحداثة بكل مزاياها وعيوبها، كما رأوا المجتمع التقليدي بكل مزاياه وعيوبه، وقد حدث بالنسبة لي نفس الشيء، حيث ولدت في دمنهور في أواخر الثلاثينيات، وكانت دمنهور تعد من أكثر المدن تصنيعا في العالم (بالنسبة لعدد السكان) بسبب وجود عدد كبير من محالج القطن فيها، ولكنها مع هذا كانت أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، حيث كنا (أنا وزملاء) الدراسة في طريقنا للمدرسة نمر على الحقول، فكنا نشتري الخس أو الطماطم من الفلاحين، ونأخذها من الحقل بأنفسنا ونأكلها طازجة. وكان هناك سوق الإثنين حيث كان يأتي الفلاحون من القرى الكثيرة المجاورة المحيطة بدمنهور، فيأتون بمنتجاتهم الزراعية (البيض - الجبن – الدجاج) ليبيعوها ويشتروا ما يحتاجون، أو يأتون بعد بيع القطن ليقوموا بتجهيز بناتهم للزواج. ويبدو أن الاقتصاد التبادلي كان سائدا حتى عهد قريب. أذكر في طفولتي أنه بعد ذهابنا للحلاق، نداعب بعضنا البعض بقولنا "الفرخة باضت ولا خبزتم"، بمعنى أنني حملت بيضة أو رغيف خبز وأعطيته للحلاق نظير أن يقوم بحلاقة رأسي! بنية دمنهور كمدينة تجارية حديثة وقرية زراعية تقليدية في ذات الوقت ترك أثره علىَّ، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والإنسانية تتسم بقدر من التعاقد وقدر من التراحم. المجتمعات التراحمية * وما الفرق الأساسي بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية؟ - المجتمعات الحديثة مجتمعات لا تستند العلاقات فيها إلى العرف أو العادات أو القيم الدينية أو الأخلاقية وإنما إلى التعاقد، وعادة ما يكون العقد مكتوبا بلغة قانونية. ومعدلات الفردية في مثل هذه المجتمعات عالية، كما أنها لا تتسم بالتماسك، بل تتسم بالوضوح والتحدد. كل هذا على عكس المجتمعات التقليدية التي قد يوجد فيها التعاقد ولكنه ليس الشكل الوحيد للعلاقات بين البشر، إذ هناك العرف والعادات والروابط العائلية والقبلية والجماعات الوسيطة العديدة؛ ولذا نجد أن معدلات الفردية أقل بكثير، فالإنسان يوجد داخل شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية المتشابكة. وانطلاقا من هذا الإدراك قام علماء الاجتماع الألمان بتقسيم المجتمعات إلى مجتمعات تقليدية تراحمية Gemeinschaft جماينشافت ومجتمعات حديثة تعاقدية Gesselleschaft جيسيلشافت. وقد اكتسب الصراع بين الجماينشافت والجيسيلشافت، ومظاهر الانتقال من الواحد للآخر، مركزية في علم الاجتماع الألماني. وبرغم تصاعد عمليات التحديث والتصنيع في ألمانيا فقد ظلت الأشكال الحضارية والاقتصاد التي سادت في مجتمع ما قبل الصناعة والرأسمالية، مزدهرة فيها بكل محاسنها وعيوبها؛ ولذا كانت هذه الأشكال الحضارية هي الأرضية التي وقف عليها علماء الاجتماع الألمان فطرحوا، انطلاقا منها، بديلا للعلاقات التعاقدية التي تهيمن على المجتمعات الرأسمالية. وينتمي ماركس (برغم ديباجاته الثورية) إلى تقاليد علم الاجتماع الألماني ويتبدى هذا في الجماينشافت التراحمي التقليدي، فالمجتمع الشيوعي مجتمع خال من الصراع الطبقي والتطاحن الرأسمالي والصراع من أجل البقاء، مجتمع يتسم بالعدالة والمساواة والأخوة، كما أن النقد الماركسي الإنساني (جيورجي [جورج] لوكاش Gyorgy Luckacs -مدرسة فرانكفورت- هربرت ماركوز Herbert Marcuse.. إلخ) للحداثة الغربية ولمصير الإنسان الغربي يخرج من نفس هذه التقاليد. وأعتقد أن علاقتي بدمنهور بماضيها وحاضرها تشبه إلى حد كبير علاقة علماء علم الاجتماع بماضي ألمانيا وحاضرها، ولعلنا لو درسنا خلفية كثير من المثقفين المصريين (وخصوصا الثوريين) فسنلاحظ أنهم عاشوا في لحظات انتقال مثل هذه. ولعل هذا يفسر الخلفية الريفية لكثير من مثقفي مصر ممن أدوا دورا بارزا في تاريخ مصر السياسي والثقافي الحديث، وأعتقد أن هذا الجانب في خلفيتي الثقافية هو ما جعلني أحاول اكتشاف الأدبيات الاحتجاجية في التراث الغربي، وهو ما جعلني لا أنبهر بالمجتمع الأمريكي، فنقطتي المرجعية النهائية كانت دائما هي المجتمع الزراعي التراحمي، ومن الطريف أن أحد أساتذتي بعد أن قرأ رسالتي للدكتوراه، بما فيها من ثورية ورفض للرؤية الأمريكية واقتصاديات السوق الحر وصفها بأنها رسالة neo-feudalist Marxit (نيو فيوداليست ماركست) أي أنها ذات توجه ماركسي إقطاعي جديد! * هل يمكن أن تضرب بعض الأمثلة على ما سميته المجتمع التراحمي؟ - كان التجار يعتمدون في تعاملاتهم على كلمة الشرف، ويدورون في إطار مفاهيم إسلامية. كان والدي من كبار التجار ثم فيما بعد من كبار الرأسماليين الصناعيين، وكانت لديه عقلية تجارية حديثة، أذكر أنه حينما قام بإجراء أول أوكازيون في دمنهور اعتبرت هذه خطوة جريئة استنكرها كثير من التجار، فمفاهيم التنافس والصراع والبقاء للأقوى لم تكن جزءا من الرؤية العامة في دمنهور، فالأرزاق بيد الله. وتساءل البعض ماذا سيفعل صغار التجار الآن؟ البيع والشراء لم تكن مسألة اقتصادية وحسب، وإنما كانت تتخللها قيم أخرى غير مادية. أذكر حادثة أخرى تعبر عن نفس الواقع التعاقدي التراحمي، جاءت لباب منزلنا فتاة كانت على قدر من الأناقة والجمال، تعرض سلة بها بعض الأشياء للبيع، فرفضتها بناء على إدراكي أننا لا نحتاج لمثل هذه الأشياء وفوجئت بأن أمي تزجرني، وقامت بشراء السلة من الفتاة بسعر جنيه مصري، برغم أن القيمة الحقيقة للسلة لا تتعدى عشرة قروش. وفيما بعد عرفت أن هذه الفتاة ابنة أحد كبار التجار الذي أفلس أو توفي لا أذكر بالضبط، وأن عملية البيع والشراء التي تمت بين أمي والفتاة تمت تحت غطاء تعاقدي ظاهريا، ولكنها في واقع الأمر تمت في إطار تراحمي، إذ إنه تم إعطاء الفتاة صدقة، ووظيفة الغطاء التعاقدي هو أن تحتفظ أمي للفتاة بكرامتها. هذا التناقض بين التراحم والتعاقد كان يوجد في منزلي، فقد ولدت في أسرة تجارية يعمل والدي في تجارة الجملة، ولكنه كان يمتلك ضيعة بجوار دمنهور شأنه في هذا شأن كل أثرياء دمنهور. وكان والدي ينتمي إلى الجانب التجاري التعاقدي، أما والدتي فكانت تمثل العقلية الزراعية التراحمية، وعلى الرغم من أن والدها كان يمتلك مطبعة، فإن التقاليد التي ورثتها عن أبيها لم تكن تتسم بالنزعة الفاوستية التجارية التي كان والدي يتسم بها. من الطريف أنه عندما توفاه الله كنت في الولايات المتحدة الأمريكية فأقمت مرثية بطريقة فريدة (فأنا دائما أبحث عن الفرادة) إذ ذهبت لرؤية مسرحية بريخت الاستثناء والقاعدة والتي تروي قصة رجل رأسمالي له طابع فاوستي، وتتكشف المسرحية أبعاد هذا النمط الإنساني، أما حينما توفى الله والدتي أقمت مرثيتها بأن ذهبت لشراء بعض الأعشاب التي كانت تتناولها مثل التليو والحلبة والكراوية. وذهبت إلى شارع الموسكي في الأزهر وطلبت من العطار هذه الأصناف وغيرها من الأعشاب الطبيعية. وعندما هم البائع بإعطائي ما طلبت أخبرته بأن هذه الكراوية ليست جيدة، فأجابني "دي مش كراوية يا بيه!"، فأدركت أنني أجهل هذه الأمور وكان يجب عليّ أن أغلق فمي وأقيم المراثي في هدوء. ويبدو أن مقولتي المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي أصبحتا مكونا أساسيا في فكري، وهاتان المقولتان هما اللتان جعلتاني فيما بعد أتبنى الماركسية ثم في نهاية الأمر أتبنى الأيديولوجية الإسلامية كإطار لفهم العالم والتعامل معه، وربما يكون هذا أيضًا هو سبب عدائي مثلا للإمبريالية، والرأسمالية، والصهيونية، ولكل أشكال الاستغلال ومسببات الصراع بين البشر، فالعالم في تصوري ليس ساحة قتال، والإنسان ليس ذئبا لأخيه الإنسان. هناك جانب آخر تعلمته في صباي وجزء من شبابي في دمنهور هو الإيمان بفكرة المجتمع، فالإنسان ليس فردا مطلقا، بل هو جزء من مجتمعه. السائد الآن أن كل مجتمع يتكون من أفراد، وأن الفرد يسبق المجتمع، ولكني تعلمت في دمنهور أن المجتمع يسبق الفرد دون أن يلغيه (فالمجتمع التقليدي زاخر بالشخصيات المتنوعة على عكس ما يتصور الكثيرون). ساعة الصفاء * هل هناك عناصر أخرى في دمنهور تركت أثرها عليك؟ - نعم، الإطار الذي تحركت فيه في طفولتي هو الأسرة الممتدة، بكل ما في الكلمة من معان، ففي الجيرة التي نشأت فيها كان كل الأطفال معروفين للجميع، ولذا كان الوقت الذي أقضيه في الشارع ليس مجرد "صياعة"، وإنما وقت للتنشئة الاجتماعية، على عكس الشارع هذه الأيام، كما كان الصبية الكبار يراقبون الصغار وكأنهم أولياء أمورهم. وفي إطار الأسرة النووية يكون الإنسان على اتصال مباشر مع أبيه أو أمه ويعيش الجميع داخل دائرة مغلقة، فإذا حدث وأراد أن يطور شخصية مستقلة عنهما فإن هذا يسبب له توترات شديدة لأن الأسرة النووية ضيقة بحكم تكوينها وليس أمام الفرد سوى أبيه أو أمه، إما أن يقبلهما فيشعر أنه فقد هويته وشخصيته المستقلة، أو يرفضهما ويدير لهما ظهره، وكلاهما أمران أحلاهما مر، ويؤدي إلى شكل من أشكال الاستقطاب والتطرف. أما في إطار الأسرة الممتدة، فالأمر جد مختلف، فالفرد محاط بأفراد كثيرين أكبر منه وكل منهم نموذج مختلف، مما يتيح له فرصة الاختيار أي نموذج يشاء دون استقطاب القبول الكامل أو الرفض الكامل. وعندما كنت في دمنهور، كان لي أعمام وأخوال وزوج أخت، وكنا جميعا نسكن إما في نفس العمارة أو في أماكن قريبة جدا من بعضنا البعض، أي أنني كنت أتفاعل مع شخصيات متنوعة. كان زوج أختي الأستاذ عبد الوهاب حلمي، رحمه الله، مدرس لغة عربية اكتشف فيَّ شيئا ما، وكان يشجعني دائما أن أكتب "خُطبا" وأن أحرر مجلة المدرسة وغير ذلك، مما ساعدني على إدراك مدى رحابة عالم الثقافة بالمقارنة بعالم الثروة ومراكمة الأموال، وكان خالي محمود إبراهيم حلبي، رحمه الله، رئيسا لحزب الوفد في دمنهور وكان يملك مطبعة، وكان لديه عالم آخر غير عالم تراكم الثروة؛ لأنه كان يضع المطبعة تحت تصرف حزب الوفد والحركة الوطنية، وقد ساهمت هذه النماذج المتنوعة في فتح نوافذ أخرى لي. * ولكن لابد أن تكون هناك عناصر كامنة في شخصيتك، بعيدا عن الإطار الاجتماعي والتاريخي، ساهمت في تعميق بعض التوجهات الفكرية؟ - بدون شك، ثمة عناصر كثيرة في شخصيتي ساعدت على تعميق انفصالي عن محيطي وولدت فيَّ الرغبة الدائمة في التفكر وتفسير كل ما يحدث لي وما يحدث حولي، بحيث لا أقبل أي شيء على علاته، وهو الأمر الذي ساهم في تطوير كثير من المفاهيم الفكرية التحليلية مثل مفهوم الحلولية ومفهوم المسافة. أهم هذه العناصر ما أسميه "داء التأمل" الذي أصبت به في يوم من الأيام في طفولتي أو بدايات الصبا (ربما في سن الثانية عشرة) حينما أدركت مقولة الزمان وأننا نعيش داخله، وأن حياتنا هي الزمان. وداء التأمل لا يزال مهيمنا عليّ، وجعلني قادرا على الانفصال عما حولي وأن أنظر إلى نفسي من الخارج وألا أقبل أي شيء إلا بعد تفسيره. ومن العناصر الشخصية الأخرى التي ساهمت في تحديد توجهاتي الفكرية، أن بعض الأشياء كانت تكتسب قيمة رمزية في عقلي غير قيمتها الوظيفية، فالمكرونة كانت بالنسبة لي هي السحر بعينه (كنت أتصور في طفولتي أنها هي طعام أهل الجنة). ولذا كان تناولها يعني تجربة شبه روحية لا علاقة لها بإشباع الحاجة البيولوجية للطعام. أما الأرز، فكان مرتبطا في ذهني بالطمأنينة وبالعودة إلى المدينة. ولم أتخلص قط من هذا الميل نحو الترميز. فقد أصبح السيجار رمز الهدوء والاستقرار والإنجاز، وقد انتقل هذا إلى موقفي من كتبي. وكثيرا ما تكتسب أطروحات الكتب التي أكتبها بعدا رمزيا، يجعل منها جزءا من معركة الإنسان مع كل ما يتهدده. وعلى سبيل المثال، تحولت الموسوعة إلى معركة الإنسان ضد الظلم، وإلى هذا الصراع الأبدي بين الإنسان/ الإنسان (الذي يحاول تجاوز عالم الحواس الخمسة) والإنسان الطبيعي/المادي، الذي يقبع داخل عالم المادة قانعا راضيا. وأتصور أن هذا الميل نحو الترميز ساعدني كثيرا على الانفصال عن بيئتي المباشرة، إذ خلقت لي الرموز عالمي الخاص، كما أن الرمز ولا شك شكل من أشكال النموذج، فهو عنصر من العالم المادي، ولكنه يعلو عليه إلى أن يصبح علامة مكثفة على عناصر كثيرة، قد يبدو لأول وهلة وكأن لا علاقة بينها. ويرتبط بهذه النزعة نحو الترميز ما أسميه "النزعة الطقوسية"، إذ أميل لأن يصبح كل حدث مهم في حياتي جزءا من طقس خاص جدا وأقوم أنا بتطويره؛ فكنت في طفولتي أبدأ استذكاري بأن أضع زهرة في مزهرية، أو أحلم بها إن لم يكن هناك زهرة، وحينما تقدمت بي السن طورت مفهوم "الشاي غير البيولوجي"، وهو أي قدح من الشاي لا أحتاج إليه من الناحية المادية ومع هذا أشربه مع صديقي كي آنس به. (قد تطور هذا فيما بعد ليصبح مفهوم "الأبوة غير البيولوجية" حين أقوم بتبني بعض الأيتام من ضحايا العصر الحديث). ومن أهم الطقوس في حياتي طقس "ساعة الصفاء" (الذي طورته مع صديقي الفنان رحمي)، وهو المقدرة على الانسحاب من الزمان، بحيث يعيش الإنسان "لحظات ليست كاللحظات" خارج الزمان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد تكامله وإنسانيته (بعد أن يكون قد فقد بعضا منهما في معترك الحياة وتفاصيلها التي لا تنتهي)، على أن يظل الإنسان واعيا تماما بأن هذه لحظات مؤقتة وحسب، وأنها لابد أن تنتهي، ومن ثم فهي ليست نهاية التاريخ والتدافع والأحزان والأفراح (أو كما أقول في إحدى القصص التي كتبتها للأطفال: "كل الأشياء الجميلة تنتهي! كل الأشياء الحزينة تنتهي"). وقد حاولت تطبيق هذا المفهوم في حياتي حتى لا يتحول الاستمرار إلى تكرار وروتين، فلحظة الصفاء تجلب عنصرا من الإبداع إلى الحياة الاجتماعية اليومية، وقد تعلمت أنا وزوجتي أن نمارس لحظات الصفاء هذه، مهما كانت الحياة قاسية علينا، ساعتها نطلب من أولادنا أن يبتعدوا عنا بعض الوقت، ونجلس وحدنا نحتسي القهوة وأدخن سيجارا، فتتجدد العلاقة المباشرة بيننا ولا تضيع منا في الزحام والتفاصيل، كما تعلم كثير من أصدقائي طقس لحظة الصفاء، لكنني كنت أمارسها أيضا مع بعض الأصدقاء ممن لا يعرفونها، فنعيش معا "ساعة صفاء" دون إدراك من جانبهم. وكان هناك أيضا ما أسميه "الحمام الطقوسي" الذي آخذه بعد الانتهاء من كل مؤلف من مؤلفاتي، كما أنني حينما كنت في الولايات المتحدة طورت طقس "الحمام الفكري"، وهو أنه حينما تستعصي علي فكرة ما أذهب لآخذ حماما ساخنا، وتحت الدش تبدأ الأفكار تتلاحم والعلاقات بينها تتضح، وكثيرا ما أنجح في حل الإشكالية الفكرية التي تواجهني. (أخبرني أحد الأطباء أن هذا الطقس الأخير له أساس مادي، إذ إنني أشكو من الحساسية من حبوب اللقاح المنتشرة بكثرة في الولايات المتحدة. ولذا حينما آخذ دش ماء ساخن فإن البخار المتصاعد يقوم بتنقية الجيوب الأنفية، فيسهل التنفس ويتصاعد الأوكسجين إلى مخي فأقوم بالتفكير في حرية أكبر). وهذه النزعة الطقوسية هي في واقع الأمر نزعة لأن أضع حدودا بيني وبين الواقع المادي المباشر، وهي في هذا تشبه وعيي بالتاريخ والفن، كما أنها تطورت فيما بعد لتصبح ميلا نحو بلورة المقولات التحليلية وإدراك مستويات الواقع المختلفة، وقد زادت هذه النزعة في الولايات المتحدة، فهو بلد لا يحترم الطقوس ولا يعرف منها إلا أقل القليل، وطقوس الانتقال من مرحلة عمرية لأخرى، إما غير موجودة أساسا وإما مختلفة عما ألفته، فهي ليست ثرية بما فيه الكفاية، كما أنها، في معظم الأحيان، تأخذ شكلا استهلاكيا واضحا (مثل احتفالات بلوغ سن الرشد عند اليهود [البارمتزفا]، أو احتفالات دخول الجامعة أو التخرج منها)، ولعله لحماية ذاتي ولإحاطتها بسياج يفصلها عما حولها، لم يكن بد من أن أقيم الطقوس وأهتم بها